أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
123
شرح مقامات الحريري
طلع عمرو بن عبيد على حمار ، فنزل ونحّى البساط برجله ، وجلس دونه ، فقال لي عمارة : لا تزال بصرتكم ترمينا بأحمق ، فما فصل كلامه من فيه حتى خرج الربيع ، وهو يقول : أين أبو عثمان عمرو بن عبيد ؟ فو اللّه ما دلّ على نفسه حتى أرشد إليه . فأتكأه يده ، ثم قال : أجب أمير المؤمنين جعلني اللّه فداءك ! فمرّ متوكئا عليه ، فقلت لعمارة الذي استحمقه : قد دعي وتركنا ، فقال : كثيرا ما يكون مثل هذا ، فأطال اللّبث ، ثم خرج الربيع ، وعمرو متوكئ عليه ، وهو يقول : يا غلام ، حمار أبي عثمان . فما برح حتى أقرّه على سرجه وضمّ إليه ثوبه ، واستودعه اللّه عز وجل . فأقبل عمارة على الربيع ، فقال : لقد فعلتم اليوم بهذا الرجل فعلا لو فعلتموه بوليّ عهدكم لكنتم قد قضيتم حقه . قال : فما غاب واللّه عنك مما فعله أمير المؤمنين أكثر وأعجب . قال : فإن اتّسع لك الحديث فحدّثنا ، فقال : ما هو إلا أن سمع أمير المؤمنين بمكانه ، فما أمهل حتى أمر بمجلس ففرش لبودا ، ثم انتقل هو والمهديّ إليه ، وعلى المهديّ سواده وسيفه ، ثم أذن له . فلما دخل عليه سلّم بالخلافة ، فرد عليه ، وما زال يدنيه حتى أتكأه فخذه وتحفى ، ثم سأله عن نفسه وعن عياله ؛ يسمّيهم رجلا رجلا وامرأة امرأة ، ثم قال : يا أبا عثمان عظني ، فقال : أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم * بسم اللّه الرحمن الرحيم وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ إلى قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [ الفجر : 14 ] يا أبا جعفر ، فبكى المنصور رحمه اللّه تعالى بكاء شديدا ، وكأنه لم يسمع تلك الآية الشريفة إلا تلك الساعة ، فقال : زدني ، قال إن اللّه سبحانه وتعالى أعطاك الدّنيا بأسرها فاشتر نفسك منه ببعضها ، وإن هذا الأمر الذي صار إليك إنما كان في يد من كان قبلك ثم أفضى إليك ، وكذلك يخرج منك إلى من هو بعدك ، وإني أحذّرك ليلة تتمخّض صبيحتها عن يوم القيامة . قال : فبكى واللّه أشدّ من بكائه الأوّل حتى رجف جنباه ، فقال له سليمان بن مالك : رفقا بأمير المؤمنين لقد أتعبته في هذا اليوم ، فقال له عمرو : بمثلك ضاع الأمر وانتشر ، لا أبا لك ! وما ذا خفت على أمير المؤمنين إن بكى من خشية اللّه تعالى . قال : فأنت واللّه الصادق البرّ ، قد أمرت لك بعشرة آلاف درهم تستعين بها على سفرك وزمانك ، فقال : لا حاجة لي بها ، قال : واللّه لتأخذنّها ، قال : واللّه لا آخذها ، فقال له المهديّ : يحلف أمير المؤمنين وتحلف ! فأقبل على المنصور فقال : من هذا الفتى ؟ فقال : هذا ابني محمد ، وهو وليّ عهد المؤمنين ، فقال : واللّه لقد سمّيته اسما ما استحقّه عمله ، وألبسته لبوسا ما هو من لبوس الأبرار ، ولقد ملّكته أمرا ، أمتع ما يكون به أشغل ما يكون عنه . ثم التفت إلى المهديّ وقال : يا ابن أخي ، إذا حلف أبوك حلف عمك ، لأن أباك أقدر على الكفّارة من عمك . ثم قال : يا أبا عثمان ، هل من حاجة ؟ قال : نعم ، قال : ما هي ؟ قال : لا تبعث إلي حتى آتيك ، قال : إذا لا نلتقي . قال : عن حاجتي سألتني ، ثم استحفظه اللّه عز وجل وودّعه ، وانصرف . فلما ولّي أتبعه المنصور بصره وهو يقول : [ مجزوء الرمل ] * كلكم يمشي رويد * الأبيات .